الجمعة، 27 يناير 2012




نوبات الغضب من الطفولة الى الشيخوخة

  • كل دقيقة من الغضب تفقدك ستين ثانية من السعادة.
  • احسب انا هنا الغضب بالدقائق لانه ممل ومزعج وكريه، فلا ( حسوفة عليه).
  • و تحسب السعادة بالثواني لانها لب الحياة و متعتها.

اليوم:
في المنتجع الشتوي الاب والام تجشموا عناء الخروج مع اطفالهم لقضاء بعض الاوقات الممتعة من اجازة منتصف العام. خروج الوالدين مع الاطفال مشروع تربوي نفسي اجتماعي تأهيلي بامتياز. تحولت لحظات الاطفال التي من المفترض ان تكون جيدة وممتعة الى نوبات من الغضب والصراخ والشجب والاستنكار مرة من الام ومرات من الاب.

كل دقيقة من الغضب كان الاطفال والاسرة يفقدون ستين ثانية من السعادة. رغم ان الاجازة والخروج الى المنتجع كانت بعنوان من السعادة العريض.

اذا كان حال الاب او الام مع الغضب ونوباته بهذا الشكل في الوقت الممتع فكيف بحال هذه الاسرة و أولئك الاطفال الابرياء دخل المنزل. يتعلم الاطفال سلوك الغضب وردات الفعل العصبية من والديهم بسهولة، ولنا ان نتذكر هنا افكار باندورا عن التعلم الاجتماعي وتجربته الشهيرة عن تعلم الطفل الغضب من سلوك والدته.

لا اخفيكم سرا، لم اكن حزينا جدا على نوبات الغضب الوالدية التي كانت تتأرجح بين تسونامي وموجاته الارتدادية، بل كنت اتألم على الطفولة المرهصة تحت براثن الانفعالات الوالدية. سيكبر الطفل وقد يقبع تحت جلمود الغضب والتشنج، قد يعرف فقط السلوك الحاد الذي تذوقه وتربى عليه: انه سيكبر ويشجع ناديه بعصبية وهمجية، انه سيحب بعصبية وتشنج في كل شيء. إنه سيقود سيارته بين المسارات نغوغائية وتهور، انه يندفع بقوة وعنف في كل المساحات فلا يبقى لمن حوله مساحة تحميه منه. بل قبل ان يكبر هذا الطفل سوف يشتكي والديه من الانعكاسات العنيفة والمتشنجة الواردة في سلوكيات وتصرفات اطفالهم.

لربط هذا الموضوع بموضوع سابق عن التحليل النفسي للاضطرابات النفسية أحيل مشكلات الغضب المزمن chronic anger الى نظرية كارين هورني الشهيرة في التحليل النفسي والتي تربط بقوة نشؤ ضحايا الغضب الشديد بفقدانهم الاحتياجات العاطفية في فترة الرضاعة والسنوات الثلاث او الاربع الاولى من العمر. انه الامر الذي يقودهم لموقف مكنون من القلق القاعدي basic anxiety انه مكنون في معادلة = (الحياة غير آمنه + قائمة على التهديد). هذه المعادلة المكنونة تقبع في وحشية الهو id فيكبر الانسان ويستخدم بعض الدفاعات النفسية المرضية للضغط على القلق القاعدي basic anxiety و احلال الغضب ونوبات الصراخ لتحل بديلا عنها.

هدي نبوي/
هل يمكن للكبار تهذيب سلوك الغضب، نعم ممكن وبسهولة ولكن بإرادة وعزيمة. ومن التعاليم النبوية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هدي وعلاج:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " أوصني " ، فردّد ، قال : ( لا تغضب ) رواه البخاري .

2- ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ).رواه الإمام أحمد

3- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ذَكَرَ الأخْلاقَ فَقَالَ يَكُونُ الرَّجُلُ سَرِيعَ الْغَضَبِ قَرِيبَ الْفَيْئَةِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ وَيَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْئَةِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ فَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْئَةِ وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْئَةِ، قَالَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ تَتَوَقَّدُ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَجْلِسْ أَوْ قَالَ فَلْيَلْصَقْ بِالأرْضِ. مسند أحمد.

الأحد، 22 يناير 2012


التوافق مع الذات قبل تطوير الذات

قصة تطوير الذات و تنمية القدرات الشخصية حقيقة لها فوائدها الواضحة ونتائجها المبهرة.... لكن احيانا... وليس دائما!!

سوف يعصف بهذه المقالة بين الشجب والتنكيل من البعض... لكن الغاية لدي هو تحيق التوافق مع الذات والوصول الى النفس المتصالحة مع ذاتها.

قصة للمحاكاة:
صديقي لديه جهاز كمبيوتر محمول قام بتنزيل وتجميع "مكتبة" من البرامج الحاسوبية الرائعة والمتعددة. كل برنامج او مجموعة برامج تقوم بوظائف دقيقة و مميزة في جانب معين من التطبيقات. كلما سمع صديقي ببرنامج مميز له تطبيقات مميزة انطلق يحمله على جهازة رغم انه يوجد لديه برنامج سابق يؤدي نفس التطبيقات ومع ذالك فقد اصابه "هوس" تنزيل البرامج فما عاد يقدر على دفعها عن نفسه. بفوضولي التحليلي النفسي للسلوك جلست معه ذات يوم اتصفح انا وهو بعض المعلومات في النت كلا منا بجهازه المحمول فلاحظت ان جهازه ثقيل جدا في تحميل الصفحات فسألته لماذا؟ فقال لان لدي برامج كثيرة جدا كما تعرف؟ قلت له هل يمكنك ان تريني تطبيق معين في برامجك لا توجد في جهازي انا؟ وانتهينا بعد تحليل كامل للتطبيقات انه لا يعرف كيف يطبق نصف البرامج المحملة على جهازه، بينما النصف الاخر مقسوم على جزئين: الاول برامج مكررة يكفي احدها عن الاخر، والجزء الثاني برامج موجودة تطبيقاتها على جهازي !!!

الان سريعا ننتقل الى برامج التطوير الذاتي وتنمية المهارات الشخصية متمثلا حال صديقي السابق. فرغم اقتناعي باهمية تطوير الذات، الا ان ما يقوم به كثيرا من الناس هذا اليوم هو عملية تنزيل برامج فقط واعادة تنزيل برنامج اخر واخر دون توقف. الفائدة حتما موجودة ولا اشك، لكن الاشكالية التي انصرف لها هنا هي اين التطبيق الفعلي لهذه البرامج النفسية و الشخصية في الحياة اليومية.

اني اجد حصة ليست بالقليلة من أولئك الاشخاص المولعين بجمع الطوابع عبر الشهادات والدورات قد فاتهم صدق الحديث مع النفس وصدق الوضوح مع الذات وليس تطوير الذات بدورات وبرامج جديدة.
رغم اني أقدم وسوف أقدم برامج تطوير المهارات العلاجية النفسية المتعددة، الا اني دائم التركيز على طلابي ( وهم بينكم الان) على الانتقال الى التطبيق الحياتي سريعا.

اجد ان دورة واحدة جيدة للتطوير الذات كل سنة قد تستهلك من المتدرب حولا كاملا حتى يستطيع ان يستفيد من تطبيقاتها في حياته العملية، الشخصية، الاجتماعية...الخ.

من خلال تجربتي العيادية فقد لمست كثيرا ان الاشخاص الذين يعانون من سوء التوافق مع الذات او تجانس مع المحيط ( poor adjustment, low self-esteem) كانوا عبر سنوات عديدة قد صرفوا وقتا وجهدا كبيرا في دورات تطوير الذات. ولم يكونوا يعلمون ان راحتهم وسعادتهم التي ينشدونها في برامج ودورات تطوير الذات كانت ستتحقق وبسهولة لو طرقوا الاتجاه الاخر وهو التصالح مع الذات والتوافق النفسي.

ومن المعلوم للجميع ان النجاح لا يعتمد على وجود المكنونات من الامكانات، بل ان النجاح والتميز يعتمد على انتاج افضل ما تملكه انت حتى لو كان بسيطا. وهنا احب انا هذا الدور الذي يتميز به المعالج النفسي الماهر والمتمكن من وضع حالة الاشخاص تحت الاستبصار التحليلي وانتاج افضل ما يملكونه بنفس امكاناتهم المتاحة. قد اجد يوم وقت للحديث عن ذلك الصراع المحتدم بين العقل الواعي "الشعور" و العقل اللاواعي " اللاشعور".

ثم اخيرا هذه المقالة لن تنتقص من اهمية اي برنامج يقدم ولا يستهدف الاقلال من اهمية برامج تطوير الذات و لا يستهدف الاشخاص الذين ينعمون بتوافق مع الذات، لكن الهدف والرسالة موجه لتلك النفوس الحائرة والمتقدة من عدم التوافق بأنها تبحث عن الحلول في المكان الخاطئ.... وهم كثير هنا.

الاثنين، 9 يناير 2012


لماذا عندما شاهدت في الطرف الثاني من قاعة الاحتفال شخص كنت اعرفه قبل سنوات كانت ردت فعلي ان اقبلت احث الخطوات لاحتضنه واسلم عليه بحرارة!! رغم ان مواقفه التي عايشتها واذكرها له لم تكن "بصراحة" مواقف جيدة! فقد كانت بيننا خلافات افترقنا سنوات على اثرها!! فلماذا اسرعت لمقابلته ولماذا نسيت تلك المواقف المزعجة؟

ان ذلك يحصل لان عقلك لايريد ان يتذكر تلك الامور المزعجة ويريد ان يتعايش بسلام مع "الان"! ان عقلك اللاشعوري يختطفك الى لحظات "السلام" ويسرقك من عقلك الذي قد يبعثك على "الحرب والخصام".

ما يخص الاطفال الان يكمن في مشهد لنا نحن الاباء! مشهد يتكرر كثير! نعاقب الطفل، نخاصمه، ثم يغيب ويرجع الينا وينظر لنا من بعيد " من تحت لتحت" ثم يقبل "يريد السلام" فنقف في طريقه رافضين ان ينعم بالحنان، نذكره بانه معاقب وانه في موقف "خصام"!. هذا موقف غير صحيح منا نحن الاباء.






هذة الايام نكهتها هي الاجتماع العائلي.. يفرح اطفالنا بالذهاب الى بيت الجد والجدة، ويفرح ايضا الاجداد وانا وانتم. المشكلة تكمن في ان الاجداد مايلبثوا ان يشعروا بالضجر الشديد والانزعاج من الاطفال حتى نحس نحن ابناءهم بالاحراج من كون اطفالنا يشكلون ازعاجا لاجدادهم. اين المشكلة غالبا:

قد لا يكون الاطفال مزعجون بتلك الدرجة!! وانما هناك ضجيج في البيت يشمل مثلا: صوت التلفاز+صوت المكنسة+صوت الاطفال في وقت واحد. كثير من الكبار في السن يعانون من اعراض تشابه اضطراب العمليات الصوتية "Auditory Processing Disorder-like ":


فنحن الان نسمع صوت السيارات + صوت التكييف + صوت عمال بناء + صوت صديقي الذي اتحدث معه، ومع هذا الضجيج استطيع ان اعزل جميع الاصوات واستمتع بحديثي مع صديقي. اما بعض كبار السن فانهم يفقدون القدرة على عزل الاصوات فيكون المحيط عبارة عن ضجيج عالي يصدر ضغطا على الاعصاب ويرفع التوتر.

الان اقول لصديقي الذي يقول إن امي صارت انطوائية لا تحب اطفالي او اطفال اخوتي. ان الامر ليس كما تظن!




الصدمة النفسية على الطفلة الصغيرة في عين والديها والتي تفاجئ بنزول الدم دون سابق علم يكون لها تأثير كبير وعميق وممتد. بسبب ثقافتنا المحتشمة "والتي اعشقها" نتردد كثيرا في طرح مثل هذه الموضوعات، برغم ان الشريعة الاسلامية السمحة تنص آيات القران الكريم فيها على موضوعات مشابهه. الدراسات "الغربية" ربطت جوانب من قلق العلاقات الزوجية الحميمية بسوء استقبال الدورة الشهرية في مرحلة الطفولة!
بناتنا الان، ولاسباب غذائية وهرمونية ولنمط المعيشة المريح قد تفاجئهم الدورة الشهرية من سن الثمان سنوات ( = يعني تلميذة في الصف الثالث الابتدائي!!).
ماذا اصنع؟
1- الافضل ان تبلغ الام طفلتها في حدود السنة الثامنة الى العاشرة وبفترة تسبق توقع الدورة. هذا دور الام او الاخت الاكبر. 2- يتم ابلاغ الطفلة بسهولة وبساطة... مثال: " يا بنتي الحبيبة، سوف تكبرين وستكونين اجمل بنات الدنيا، والبنات اذا كبروا ووصلوا سن القمورات الحلوات قد يحتاجون الى شراء مناديل خاصة موجودة في الصيدليات او في السوبرماركت... راح اوريكي اياها اذا رحنا السوبرماركت"
3- دعي الطفلة تسأل... انتي وهي في المحل " شوفي يا بنتي هذي المناديل الي تخص النساء... شوفي هذي الصغيرة يمكن تشترينها قريب...."
4- العودة الى المنزل " هذي المناديل يسمونها فوط صحية... البنت تستخدمها لانها اذا كبرت رح ينزل منها في الحمام شوية دم..."
5- الان الطفلة البريئة سوف تستعد لتلك اللحظة الصعبة جدا عليها وعلى امها... استمري في فتح الموضوع دائما بشكل مبسط... دون نقاشات كبيرة في هذة المرحلة.
" ويا رب يجعلهم قرة عين"


ليس فقط اطفالنا المطالبون بتعديل وتطوير سلوكياتهم وتعاملاتهم! نحتاج نحن الاباء الى تطوير مهاراتنا الوالدية لنحقق عمق التواصل الفعال مع اطفالنا Compassionate Strategies . من اهم الاستراتيجيات التي علينا ان نتعلمها مع اطفالنا الصغار هي Containment & Overlooked Strategies استراتيجية التغاضي والاحتواء.

مثال: تعود غادة ذات ال10 سنوات من المدرسة شاكية وباكية وتقول لامها " ان صديقتي في الفصل مزقت صورتي التي كانت في البوم الصور وذلك عندما عرضتها عليها".. الام ترد بحزم جيد وبقوة " انتي من الذي سمح لك بان تأخذي صور معاكي الى المدرسة.....!"

هنا فقدت الام تماما استراتيجية التغاضي والاحتواء... اعلم وتعلمون جميعا ان خروج الصور من البيت قد يكون مصيبة! وان خروجها الى المدرسة كارثة!! والتعليمات المدرسية والمنزلية لا شك انها يجب ان تكون صارمة في مثل هذا الموضوع. لكن الان نحن نتحدث عن موقف "غادة" التي لجأت الى امها تطلب العون والسند وتفتح لها قلبها عساها ان تجد حلا او مواسة. لكنها صدمت وبحزم من الاتجاه الاخر فصارت مشكلة صورة غادة ذات اتجاهين مدرسي ومنزلي. وكما ادركتم ان "غادة" تعلمت هنا انها عندما لجأت الى امها زادت المشكلة تعقيدا عن ذي قبل!

يجب ان نتغاضى Overlooked هنا عن خطأ غادة ثم يجب ان نحتويها Containment ونتعاطف مع مشاعرها. اما التعليمات الاخرى فتقدم في وقت آخر منفرد ومستقل ولا انكر اهميتها.

لماذا سياسة التغاضي والاحتواء مهمة!؟ من خلال خبرتي العيادية... وجدت ان كثير من ضحايا قضايا المراهقين هم ممن كانوا ضحية الكتمان والسر وعدم كشف الامور عندما كانت في بداياتها وعندما كانت صغيرة. لقد تعلم هؤلاء المراهقين وهم صغار انه لاتغاضي ولا احتواء مقدم من الوالدين. ولذلك صار البعض يقول " اهم شيء ان أمي و والدي لا يعلمون بهذا"
اوصي الاباء في مثل هذا الموقف " وليس على الاطلاق" ان يكون التغاضي والاحتواء قبل "الحزم"

لنا عودة فالموضوع لم يكتمل

الأحد، 8 يناير 2012


رحلة طفل إلى الله.....عندما يفشل الطب والطبيب..

حمود طفل عمره 9 سنوات، يدرس في السنة الثالثة ابتدائي، في رحلته بالسيارة مع اهله الى مكة وقع عليهم حادث اصيب فيه حمود اصابات بالغة في القدم اليسرى. جميع افراد العائلة نجوا من الحادث إلا حمود. بعد تدخلات علاجية متعددة قرر الاطباء بتر ساق حمود Amputation. اسابيع مضت ثم كان الزمن يشير الى 8 اشهر تقريبا بعد الحادث. حمود اصبح مؤهلا طبيا للمشي من جديد على قدمه الصناعية. كل شيء في فريقنا الطبي Multidisciplinary teams كان يقودنا الى القناعة ان حمود اصبح مؤهلا طبيا للعودة الى حياته الطبيعية وتم خروجه من المستشفى.... وكنت حينها في مؤتمر خارج الوطن!!! كان موعد حمود الاول في العيادات الخارجية في وقت اجازتي... ثم أتى الموعد الثاني لحمود. كان الاب والام والفريق الطبي ايضا قلقين من القرارات الحادة والمزاج المتوتر الذي صار اليه حمود. لقد رفض حمود القدم الصناعية، يبكي ويطلب والديه ان يعيدوا له ساقه المبتورة، يقول لهم "ليش ساقي بترها الاطباء؟" وكان قلب الوالدين يتفطر على فلذة كبدهم وهم يتابعون الكبد والالم يعصف بطفلهم. ثم مع بدأ الدراسة رفض حمود الذهاب الى المدرسة. لن يمشي على ساقة الصناعية، هذا قراره. لقد انسحب حمود ايضا من الناس وانكفأ على ذاته. كان فريقنا الطبي في عيادة حمود السابقة يقولون لحمود "ان الاطباء وجدو ان الساق قد تضررت بشكل كبير وانهم اجروا العديد من العمليات كي ترمم الساق ولكن الساق كانت غير قادرة على العودة الى الوضع الطبيعي...... لقد بذل الفريق الطبي جهدا كبيرا للاجابة على تساؤلات حمود وتقديم الدعم النفسي له... لكن حمود لم يستجب لهذا التفسير الطبي الحاذق. إنه التفسير الذي درسناه وتعلمناه في دراستنا كي نستجيب لتساؤلات المرضى!!!
حمود في عيادتي، ما زال يرفض استخدام الساق الطبية، ما زال يسأل "لماذا الاطباء بتروا ساقي؟". الاجابة كانت علمية وبسيطة لدرجة ان بعض اعضاء الفريق الطبي لم يناسبهم ردي! "حمود... يا بني... هناك اشياء كثيرة لا يستطيع الاطباء ان يفعلوا امامها أي شيء. لانها مشيئة الله... لقد اختارك من بين جميع افراد اسرتك ليقع عليك الضرر وتبتر ساقك... كنت في طريقك الى مكة لتطوف وتسعى على قدميك ولكن لله مشيئته... انت لم يبتر الاطباء ساقك كما تظن ... بل وقفوا عاجزين امام قدرة الله سبحانه الذي جعلك تنجو من اي ضرر اخر قد يكون اصعب واقسى". لم يكن هنك الكثير من التدخلات النفسية، كان فقط مدخلا للعلاج المعرفي القائم على تصحيح المعتقدات الغير مدخلة بشكل سليم. حمود عاد الى مدرسته وانجز عامه الدراسي بتفوق وصار يصول ويجول في مناسبات العائلة وفي المدرسة برجله الطبية. لم يكن صعبا اطلاقا على حمود ذو التسع حجج ان يعرف ان قدمه سبق أجلها أجله.. وانها كما قال في لحظة ذهول منا " إن ساقي سبقتني الى الله...!"
لقد اثبتت الدراسات الحديثة لعلم النفس ان الاطفال والكبار ايضا يكونون اكثر ايمانا بقدرة الله عندما يوضح لهم ان المشيئة الإلهية اكبر من الارادة البشرية. وقد وجد ان المرضى بالسرطان او المرضى بالامراض المميته تكون استفادتهم أكبر من الدواء والبرامج العلاجية عندما يكون ايمانهم بان الشفاء والداء هو بيد الله وليس بتدخل طبي فقط.

المزيد عن هذا الموضوع وطريقة العلاج:
ملف PDF
http://www.wjh.harvard.edu/~kurtgray/Gray%20%26%20Wegner%20(2010).%20Blaming%20God%20for%20our%20Pain.%20PSPR.pdf
او
http://www.psychologytoday.com/blog/the-big-questions/201109/suffering-heightens-belief-in-god






الحرب ضد الاطفال... تجارة ضد الاطفال.

انا عندما اذهب الى السوق لشراء جوال لابني الذي لم يبلغ من العمر 10 سنوات فانني اتبضع حتى احصل على افضل العروض! ... والان اشتريت ....لكن البضاعة لم تكن الجوال!!! بل كانت البضاعة هي ابني!! فقد إبتاعته سوق محمومة بالجشع واصبح هدفا لتجارة عريضة ما زال مجتمعنا العربي يجهل مخاطرها.

انا كأب اعيش مثلكم ذلك الصراع!!


لا اريد من ابني ان يحرم من اقتناء اجهزة او جولات بينما اقرانه في المجتمع يستخدمونها... هموم طويلة لا يحصرها طرحي هنا.
قبل اشهر قليلة رفع الاباء الى محكمة في ولاية كاليفورنيا الامريكية دعوى ضد ما اسموه استغلال الاطفال تجاريا، وبالاخص من خلال الانترنت والالعاب العنيفة والعاب الـ " الرصيد البنكي" التي تحتاج الى شراء مميزات او هدايا داخل لعبة افتراضية، وما قاد اليه من تعلمهم سلوك العنف والعدوان والعيش في الحياة الافتراضية. لكن الاباء احبطوا بان قناعة المحكمة تقود الى ان الحرية والسوق والمال اهم من هموم الاباء والتربية وسلوك الاطفال.


قبل عام تقريبا في عيادتي .... شابة تفشل نفسيا في التعايش مع زوجها الذي مضى فقط على زواجها منه خمسة اشهر. شكواها نابعة من ارتباطها العاطفي الكبير بشخص احبته من خلال لعبة افتراضية، وهي الى الان لا تعرف اسمه الحقيقي او وضعه او اين ارضه او سماه لانه افتراضي فقط. لقد كان "حبيبها" الافتراضي يشتري لها الهدايا " الافتراضية ايضا" ويهتم بها ويقاتل ويدافع عنها من اي خطر قد تتعرض لها "فتوة بس افتراضي" وكانت هي ايضا تشتري له بعض الهدايا الافتراضية مستخدمه "بطاقات ائتمانية لشقيقتها"!!. والان الزوج " والحبيب الحقيقي والواقعي" فشل في ان يكون بصورة مشابهه لما عليه منافسه الافتراضي.
لا ارغب في نقلكم اكثر داخل العيادة، لكن هذه الشابة عندما كانت مراهقة كانت هي السلعة التي يستغلها السوق العالمي. واطفالنا الان هم سلع يتاجر بها عالم من حولنا لا يتسم في تجارته بالاخلاقية او الانسانية. 


ظهر حديثا كتاب في امريكا بعنوان : Childhood under Siege: How Big Business Targets Children طفولة تحت الحصار: كيف تستهدف نجارة كبرى الاطفال. للبروفيسور Joel Bakan. اللافت للنتباه انه دكتور في القانون. الكتاب يسلط الضوء وبقوة على التجارة الكبيرة التي تنتهك براءة الاطفال. انصح زملائي في القانوا، الاقتصاد وادارة الاعمال ان يطلعوا عليه ليقدموا لمجتمعنا حلولا مناسبة.


لنخرج من هنا بفائدة سريعة. حتى وان فشل أباء كاليفورنيا في كسب قضيتهم في المحكمة، وحتى اساتذة القانون ان فشلوا في سن قوانين تحمي الاسرة والاطفال، فان الغرب واسرهم والاباء يعون المشكلة ويستخدمون بعض التدابير والاحتياطات التي من خلالها يتم مراقب الاطفال والمراهقين في استخداماتهم الكبيرة والواسعة لتطبيقات الشبكة العنكبوتية. 


فاين دورنا في حماية اطفالنا... واين دورنا من حماية الطفولة من الاستغلال التجاري الافتراضي.

الاباء الهيلوكبتر

الأباء الهيلوكبتر Helicopter Parents....
الأبوة المفرطة overparenting
وليد 14 سنة الان في عيادتي مع والدته. خرجت الام من العيادة بشكوى مختلفة تماما عن الذي يعاني منه وليد. الان وليد لوحدة في عيادتي. جلسة استرخاء سريعة دخل فيها وليد ثم قال شكواه " أمي يا دكتور تلاحقني في كل مكان... احرجتني يا دكتور مع زملائي وفي المدرسة.. انا صرت اترك الجوال في البيت متعمد "عشان" ما تجلس تلاحق فيه بالاتصالات كل شوي........"

بعيدا عن قراءتنا الثقافية او العاطفية لحب الام و تعلقها الشديد بولدها او بنتها، فان الامر هنا يتصل في الجانب النفسي بما نسميه مجازا " الاباء الهيلوكبتر". انه اصطلاح عامي شاسع الاستخدام في الغرب للاشارة الى نمط معين من المراقبة والتعقب الشديد من الاباء لابناءهم. هذا الاصطلاح وضعه د. فوستر كليين و جم فاي في كتابهم: الابوة مع الحب والمنطق Foster W. Cline, M.D. and Jim Fay in their 1990 book Parenting with Love and Logic
انها ما نسمية بالابوة المفرطة والرعاية المبالغ فيها. ولذلك وصفت بالهيلوكبتر لانها تلاحق وتطارد الابناء بمراقبة وترصد في كل مكان.
نحتاج ان نقرأ نحن الاباء هذا الموضوع بعيدا عن تأويلاتنا العاطفية او مرجعيتنا الشرعية "والتي هي بالتأكيد قاعدتنا التي نركن اليها"، ولكن نحتاج الى تطوير مهاراتنا الوالدية وبالذات مع المراهقين.

ارجو ادخال هذا المصطلح " Helicopter Parent" في محرك البحث قوقل للحصول على المزيد من المعلومات.
الذكاء العاطفي $ د.محمد مرعي جبران
الذكاء العاطفي Emotional Intelligence (EQ)

في الوقت الذي يركز فيه الاباء والتربويون وحتى الاطباء على ذكاء القدرات العقلية لاطفالنا Intelligence Quotient (IQ)، هناك في المقابل جهل أو تجهيل منا نحن المختصين بدور واهمية الذكاء العاطفي الـ EQ للاطفال. لن اتحدث هنا عن الـ IQ فانا "متحامل علية" بصيغته وطريقته التي قدمت لنا في العالم العربي.... لكني سأوجز الأهمية التي يتوارى خلفها الذكاء العاطفي.

هناك مقولة في الغرب تقول " A lack of emotional intelligence is basically a lack of emotional maturity" وتعني ان القصور في الذكاء العاطفي هو اصلا طريق الى قصور في النضج مستقبلا"!

من الذي يرغب ان يكون طفله غير ناضج في مشاعرة وعلاقاته اذا كبر؟ هل يكفينا انه ذكي في دراسته؟

كم شاهدنا اشخاص اذكياء في دراستهم او تحصيلهم العلمي، لكنهم فاشلون في حياتهم الزوجية او الاسرية!!

كما اذكر ذلك دائما لطلابي والمرضى وفي محاضراتي فان ذكاء القدرات العقلية العالي يتصل بالنجاحات المدرسية والتحصيلية فقط. بينما النجاح في الحياة يتطلب ذكاء عاطفي عالي.

الذكاء العاطفي يعتبر مفتاحنا للتنبؤ بقدرات الطفل الاجتماعية، الشخصية، المهنية، الحياتية وكل المهارات الاخرى ما عدا المهارات الاكاديمية.
رؤساء الدول، مدراء و رؤساء المؤسسات الكبراى والبنوك ، القادة والقياديين لا يشترط ان يكون ذكائهم الـ IQ عالي! بل قد يكون غالبا ضمن المعدل الطبيعي ولكن بشرط ان يكون الذكاء العاطفي لديهم عالي مقارنة باقرانهم.
سريعا،، يشمل الذكاء العاطفي الـ EQ جوانب متعددة منها:

1- الثقة في النفس و الوعي الذاتي بالمشاعر وادراك شعور الاخرين وتقدير ردود الافعال وحسبان العواقب.
2- التحكم في المزاج وادارته بشكل سليم. وتحقيق التوازن بين رغباتك ورغبات الاخرين.
3- الدافعية الذاتية والقدرة على تحديد الاهداف واتخاذ القرارات والتوجه نحو تحقيقها برغم الصعوبات او القصور في الامكانيات الاخرى.
4- المشاركة الوجدانية للاخرين فمثلا يتفهم، يتعاطف، يتقبل، يتنازل، يكون مرن مع الاخرين في تقبل افكارهم وتشكيل افكار مشتركه مع الاخر، اي انه لا يفرض الرأي بفضاضة او تسلط.
5- حسن ادارة العلاقة مع الاخرين، مع الاصدقاء، مع الزوج او الزوجة، الابناء، الوالدين،و مع زملاء العمل، مع الرؤساء والمرؤسين...الخ.
6- جودة التواصل مع الاخرين، التواصل اللفظي والغير لفظي.

اخيرا لمن يهتمون باضطرابات التوحد: قد نجد اطفال التوحد يسجلون درجات بين الطبيعي الى العالية عند تطبيق اختبارات القدرات الفكرية الـ IQ. لكن لا يمكن اطلاقا ان يكون الذكاء العاطفي عند طفل التوحد في معدل طبيعي.

وقد يكون هنا سؤال لموضوع قادم! لماذا اذاً يطبق في العالم العربي اختبار القدرات الفكرية الـ IQ على اطفال التوحد!!! وفي الوقت نفسه لا يحرص المختصون على تطبيق اختبارات الذكاء العاطفي الـ EQ.

وللعلم فانه من الموصى به وفق تقارير منظمة الصحة العالمية ان يتم قياس الـ EQ لجميع الاطفال العاديين والطبيعيين وغيرهم بين سن سنتين وثمان سنوات.

وللعلم ايضا فان الشركات والمؤسسات الكبرى في الغرب بما فيها "فيس بوك" تقوم باجراء اختبار خاص للذكاء العاطفي للاشخاص المتقدمين لوظائف او ترقيات في تلك المؤسسات.

الخميس، 5 يناير 2012


الامومة المنهكة!!!
متلازمة التعب النفسي Chronic Fatigue Syndrome
نظرة للتحليل النفسي بين الماسوشية والنرجسية التدميرية

اليوم قررت ان انقلكم الى متعة و روعة التحليل النفسي لاصف لكم حالة من عيادتي الخاصة ولكن في ضوء مدرسة اوروبية عريقة هي التحليل النفسي الكلاسيكي. لاقدم للقارئ العربي شيء من سراديب ودهاليز التحليل النفسي الكلاسيكي البائد!!

عالمة النفس النمساوية (الامريكية) دويتش Helene Deutsch والتي تعد من رفقاء سيقموند فرويد، كانت اهتماماتها تتركز حول فهم مرحلة الامومة. فبحسب دويتش الشخص الذي يعرض خدماته لمساعدة الاخرين فانه يتوقع ان يحصل على ثناء و إشادة تشعره بالقوة والسعادة رغم التعب و الارهاق الذي قد يتعرض له ثم يشعر بالسيطرة على الاخرين من خلال ذلك المجهود المقدم. انها تفسر هذه الحالة على انها ماسوشية Masochism اجتماعية. وقريبا سيتعلم هذا الشخص انه كلما عرض نفسه للتعب والارهاق لخدمة الاخرين كلما تحققت له اللذة والقوة والسيطرة على الاخرين. انه الان يسيطر على الاخرين من خلال تعريض نفسه للالم والتضحية والتعب. و بحسب دويتش،فإن الام هنا التي تتعب جدا مع اطفالها وزوجها ومنزلها تستطيع ان تسيطر على العائلة بطريقة لاشعورية من خلال ماسوشية Masochism اجتماعية، فإن الاسرة والزوج و الاطفال سيمجدون هذه التضحيات وسوف تسيطر على قوام و مقومات بتها من خلال تضحياتها.

لكن هذه اللذة من السيطرة على الاخرين تكون فوق طاقة الام لانها تعتمد على تسخير وارهاق للنفس التي ستنفذ طاقتها الكامنة قريبا.

والان ننتقل الى عيادتي، حيث " الاسم المستعار لمريضتي هو " وجدان" والتي هي أم لأربعة اطفال و عمرها 35 سنة وهي ربة بيت مميزة واجتماعية بامتياز. لكنها منذ اكثر من سنة تشعر بالتعب و الارهاق و الاعياء النفسي. لم تعد تستطيع النوم كفاية ولم تعد تحس انها قادرة على تقديم اي شيء لاطفالها و بيتها، لديها صداع و آلام في الجهة اليسرى من الجسم، وحرارة داخلية غير مفسرة. ولديها خوف و شكوك بان مناعتها اصبحت ضعيفة فهي تصاب بكثير من الانفلونزا والعدوى والحساسية. استهلكت الكثير والعديد من الادوية والتحاليل والاشعة الطبية والزيارات المتعددة للعيادات المختلفة والنتيجة هي لا يوجد شيء!!.

وجدان وفق لتشخصي العيادي تعاني من متلازمة التعب النفسي Chronic Fatigue Syndrome الذي صدر عن تاريخ طويل من الماسوشية Masochism. اذا فمكمن المشكلة هو اللاشعور وبالتالي فان العلاج سيكون بالتأكيد متناغما ومتوافقا مع سبب ومنبع المشكلة وبالتالي فان العلاج التحليلي النفسي هو الحل المقترح.

لو عدنا لافكار دويتش فان التعب والمعاناة تجعل "وجدان" تسيطر على الاخرين من حولها، بينما يكون تعبيرا منها على رفض الواقع و رغبة في الهروب منه ومن إلتزاماته و متطلبات البيت والزوج والاطفال، انها عداوة كامنة نحو الواقع المفروض والمرفوض. انها تفتقد حياتها السابقة قبل الزواج وقبل ان تقدم تضحياتها الماسوشية لزوجها واطفالها والتي بدأت تنزف الان. لكنها لا تستطيع الان ان تتوقف او تتخلى عن اسرتها التي تنتمي لها وينتمون لها! وكحل وسط فان " التعب النفسي سيكون الحل المقبول للذات وللاخرين ومقبول اجتماعيا.

بصورة ابسط، فان "وجدان" خلال سنوات زواجها سيطر عليها نمط ماسوشي يقوم بتقديم التضحيات بآلام وتعب لخدمة الاسرة، وقد حصلت على حب وتقدير اسرتها نتيجة تعبها وآلامها وتضحياتها. اما الان و لانها لم تعد تقدر على المزيد من التضحيات و لانها لا تقدر على التخلي عن اسرتها فسيكون الحل ايضا ماسوشيا، اي ان " التعب النفسي" الذي من خلال الآلام والمعانة سيكون حلا مرة اخرى. انه حل سوف يسيطر على الاسرة من جديد ويجعلهم ملتفين من حولها وسيكون ايضا مقبول من وجة نظر المجتمع وسيعتبر قبل ذلك كله متنفسا لا شعوريا لمكبوتات ترفض الواقع وارهاصاته الساحقة وسيكون هذا الحل بنفس النكهة الماسوشية المتألمة والمتلذذة!!.

ان الماسوشية لدى وجدان ستتطور لتكون شكلا ايضا من " النرجسية التدميرية Destructive Narcissistic" التي ستحب الذات وستتلذذ بغير وعي بتعذيب الذات لتحصل على رضا و التفات وانتباه من الاخرين. انها لحظة للتلذذ بالمعانة وحب النفس المتألمة التي يلتف نحو أنينها و معاناتها الاخرين.

في مشوار علاجها الطويل في العيادة النفسية، كان على " وجدان" ان تتعلم ان تحب واقعها وليس رفضه. كانت جلسات الاسترخاء والتداعي الحر بداية طويلة انتقلنا بعدها الى جلسات الايحاء " التنويم المغناطيسي" لتخرج كثير من المكبوتات و لتبذر نواة التصالح مع الواقع. كان هناك مرحلة بعدها كان على " وجدان" ان تتعلم فيها انها من الممكن ان تحب نفسها وتحب اطفالها و زوجها دون ان تغوص في الآلم بماسوشيتها ودون ان تبحث عن السيطرة على افراد اسرتها.

كان لزاما علينا ان نعمل هنا على تقديم الجزء الذي يمكن ان يتحكم ويخدم عالم وحياة " وجدان". فنقوم باستبدال قوى المكبوتات اللاشعورية المسيطرة على حياتها بقوى العقل الشعوري الواعي الذي تصحح مدركاته ويعطى فرصة اكبر في ممارسة دور القيادة للحياة النفسية والشخصية.

الان " وجدان" تنعم بصحة نفسية جيدة بعد ان تغلب فيها الوعي على اللاشعور وبعد ان فسرت لها مسيرة معاناتها النفسية والجسدية. تحولت و "جدان" الى انسانة ناجحة مع واقعها الجديد المتسق، وهي الان تعمل على انجاز اطروحة الماجستير و تحب اطفالها و زوجها دون ان تقدم فكرة التضحيات والسيطرة اللاشعورية. وقد خف عنها تقريبا ذلك الاعياء واصبحت اكثر حيوية واكثر نشاط وحبا لنفسها و حياتها الجديدة المليئة بالنشاطات.

ان تناول حالات الاضطرابات النفسية من منظور السببية التحليلية القائمة على فهم قوة اللاشعور تجعل المتتبع لهذا الاضطراب يشعر بان هناك فوضى في كل مكان من عالم هذا الانسان. لكن علاج اللاشعور يشكل احيانا مفترق طريق لبعض المرضى ممن تنبع مشكلاتهم النفسية من سبب لاواعي وليس من سبب واعي. وما اكثر بعضهم!