الامومة المنهكة!!!
متلازمة التعب النفسي Chronic Fatigue Syndrome
نظرة للتحليل النفسي بين الماسوشية والنرجسية التدميرية
متلازمة التعب النفسي Chronic Fatigue Syndrome
نظرة للتحليل النفسي بين الماسوشية والنرجسية التدميرية
اليوم قررت ان انقلكم الى متعة و روعة التحليل النفسي لاصف لكم حالة من عيادتي الخاصة ولكن في ضوء مدرسة اوروبية عريقة هي التحليل النفسي الكلاسيكي. لاقدم للقارئ العربي شيء من سراديب ودهاليز التحليل النفسي الكلاسيكي البائد!!
عالمة النفس النمساوية (الامريكية) دويتش Helene Deutsch والتي تعد من رفقاء سيقموند فرويد، كانت اهتماماتها تتركز حول فهم مرحلة الامومة. فبحسب دويتش الشخص الذي يعرض خدماته لمساعدة الاخرين فانه يتوقع ان يحصل على ثناء و إشادة تشعره بالقوة والسعادة رغم التعب و الارهاق الذي قد يتعرض له ثم يشعر بالسيطرة على الاخرين من خلال ذلك المجهود المقدم. انها تفسر هذه الحالة على انها ماسوشية Masochism اجتماعية. وقريبا سيتعلم هذا الشخص انه كلما عرض نفسه للتعب والارهاق لخدمة الاخرين كلما تحققت له اللذة والقوة والسيطرة على الاخرين. انه الان يسيطر على الاخرين من خلال تعريض نفسه للالم والتضحية والتعب. و بحسب دويتش،فإن الام هنا التي تتعب جدا مع اطفالها وزوجها ومنزلها تستطيع ان تسيطر على العائلة بطريقة لاشعورية من خلال ماسوشية Masochism اجتماعية، فإن الاسرة والزوج و الاطفال سيمجدون هذه التضحيات وسوف تسيطر على قوام و مقومات بتها من خلال تضحياتها.
لكن هذه اللذة من السيطرة على الاخرين تكون فوق طاقة الام لانها تعتمد على تسخير وارهاق للنفس التي ستنفذ طاقتها الكامنة قريبا.
والان ننتقل الى عيادتي، حيث " الاسم المستعار لمريضتي هو " وجدان" والتي هي أم لأربعة اطفال و عمرها 35 سنة وهي ربة بيت مميزة واجتماعية بامتياز. لكنها منذ اكثر من سنة تشعر بالتعب و الارهاق و الاعياء النفسي. لم تعد تستطيع النوم كفاية ولم تعد تحس انها قادرة على تقديم اي شيء لاطفالها و بيتها، لديها صداع و آلام في الجهة اليسرى من الجسم، وحرارة داخلية غير مفسرة. ولديها خوف و شكوك بان مناعتها اصبحت ضعيفة فهي تصاب بكثير من الانفلونزا والعدوى والحساسية. استهلكت الكثير والعديد من الادوية والتحاليل والاشعة الطبية والزيارات المتعددة للعيادات المختلفة والنتيجة هي لا يوجد شيء!!.
وجدان وفق لتشخصي العيادي تعاني من متلازمة التعب النفسي Chronic Fatigue Syndrome الذي صدر عن تاريخ طويل من الماسوشية Masochism. اذا فمكمن المشكلة هو اللاشعور وبالتالي فان العلاج سيكون بالتأكيد متناغما ومتوافقا مع سبب ومنبع المشكلة وبالتالي فان العلاج التحليلي النفسي هو الحل المقترح.
لو عدنا لافكار دويتش فان التعب والمعاناة تجعل "وجدان" تسيطر على الاخرين من حولها، بينما يكون تعبيرا منها على رفض الواقع و رغبة في الهروب منه ومن إلتزاماته و متطلبات البيت والزوج والاطفال، انها عداوة كامنة نحو الواقع المفروض والمرفوض. انها تفتقد حياتها السابقة قبل الزواج وقبل ان تقدم تضحياتها الماسوشية لزوجها واطفالها والتي بدأت تنزف الان. لكنها لا تستطيع الان ان تتوقف او تتخلى عن اسرتها التي تنتمي لها وينتمون لها! وكحل وسط فان " التعب النفسي سيكون الحل المقبول للذات وللاخرين ومقبول اجتماعيا.
بصورة ابسط، فان "وجدان" خلال سنوات زواجها سيطر عليها نمط ماسوشي يقوم بتقديم التضحيات بآلام وتعب لخدمة الاسرة، وقد حصلت على حب وتقدير اسرتها نتيجة تعبها وآلامها وتضحياتها. اما الان و لانها لم تعد تقدر على المزيد من التضحيات و لانها لا تقدر على التخلي عن اسرتها فسيكون الحل ايضا ماسوشيا، اي ان " التعب النفسي" الذي من خلال الآلام والمعانة سيكون حلا مرة اخرى. انه حل سوف يسيطر على الاسرة من جديد ويجعلهم ملتفين من حولها وسيكون ايضا مقبول من وجة نظر المجتمع وسيعتبر قبل ذلك كله متنفسا لا شعوريا لمكبوتات ترفض الواقع وارهاصاته الساحقة وسيكون هذا الحل بنفس النكهة الماسوشية المتألمة والمتلذذة!!.
ان الماسوشية لدى وجدان ستتطور لتكون شكلا ايضا من " النرجسية التدميرية Destructive Narcissistic" التي ستحب الذات وستتلذذ بغير وعي بتعذيب الذات لتحصل على رضا و التفات وانتباه من الاخرين. انها لحظة للتلذذ بالمعانة وحب النفس المتألمة التي يلتف نحو أنينها و معاناتها الاخرين.
في مشوار علاجها الطويل في العيادة النفسية، كان على " وجدان" ان تتعلم ان تحب واقعها وليس رفضه. كانت جلسات الاسترخاء والتداعي الحر بداية طويلة انتقلنا بعدها الى جلسات الايحاء " التنويم المغناطيسي" لتخرج كثير من المكبوتات و لتبذر نواة التصالح مع الواقع. كان هناك مرحلة بعدها كان على " وجدان" ان تتعلم فيها انها من الممكن ان تحب نفسها وتحب اطفالها و زوجها دون ان تغوص في الآلم بماسوشيتها ودون ان تبحث عن السيطرة على افراد اسرتها.
كان لزاما علينا ان نعمل هنا على تقديم الجزء الذي يمكن ان يتحكم ويخدم عالم وحياة " وجدان". فنقوم باستبدال قوى المكبوتات اللاشعورية المسيطرة على حياتها بقوى العقل الشعوري الواعي الذي تصحح مدركاته ويعطى فرصة اكبر في ممارسة دور القيادة للحياة النفسية والشخصية.
الان " وجدان" تنعم بصحة نفسية جيدة بعد ان تغلب فيها الوعي على اللاشعور وبعد ان فسرت لها مسيرة معاناتها النفسية والجسدية. تحولت و "جدان" الى انسانة ناجحة مع واقعها الجديد المتسق، وهي الان تعمل على انجاز اطروحة الماجستير و تحب اطفالها و زوجها دون ان تقدم فكرة التضحيات والسيطرة اللاشعورية. وقد خف عنها تقريبا ذلك الاعياء واصبحت اكثر حيوية واكثر نشاط وحبا لنفسها و حياتها الجديدة المليئة بالنشاطات.
ان تناول حالات الاضطرابات النفسية من منظور السببية التحليلية القائمة على فهم قوة اللاشعور تجعل المتتبع لهذا الاضطراب يشعر بان هناك فوضى في كل مكان من عالم هذا الانسان. لكن علاج اللاشعور يشكل احيانا مفترق طريق لبعض المرضى ممن تنبع مشكلاتهم النفسية من سبب لاواعي وليس من سبب واعي. وما اكثر بعضهم!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق